تربية الأطفال من منظور إسلامي

تاريخ النشر الأصلي 2019-11-20 23:09:17.

تربية الأطفال هي تنشئةُ المسلمِ وإعدادهُ إعداداً كاملا من جميع جوانبه، لحياتي الدنيا والآخرة في ضوء الإسلام، وإن شئتَ قُل: هي الصياغةُ المتكاملةِ للفرد والمجتمع على وفقِ شرع الله.

وللتربيةِ جوانب مختلفة، فُهناك التربيةُ الإيمانية، والتربية الخلقية، والتربية الجسمية، والتربية العقلية، والتربية النفسية، والتربيةُ الاجتماعية، والتربية الجنسيةِ وغيرها. كما أنها ليست قاصرةً على الوالدين فقط، فهناك إلى جانبِ الأُسرةِ المدرسة، والمسجدُ، والتجمعاتُ الشبابيةِ سواءً صالحةً أم غيرَ صالحة، ووسائلُ الإعلام وغيرها.

فالطفل هو اللبنة الأولى في المجتمع، إن أُحسن وضعها بشكل سليم، كان البناء العام مستقيماً مهما ارتفع وتعاظم، وكما أن البناء يحتاج إلى هندسة وموازنة، كذلك الطفل يحتاج إلى هندسة وموازنة بين ميوله وطاقاته، ويفتقر إلى تربة صالحة ينشأ فيها وتصقل مواهبه، ويعوزه تنظيف لموارد الثقافة التي يتلقاها والحضارة التي يتطبع عليها، والتربة التي ينشأ عليها.

لذا اعتنى الإسلام بالطفل قبل أن يولد وذلك بالبحث عن المكان المناسب الذي يتكون فيه، ويتربى فيه. فالولد الصالح هو خير كنز يتركه المسلم من بعده، فهو نافع لأبويه في حياتهما وبعد موتهما. ولذلك يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا مات العبد انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له” (صحيح مسلم). بل إن الذرية الصالحة يُجمع شملها مع آبائها الصالحين في الجنة، قال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} [الطور: 21]، فعلى كل مسلم ومسلمة أن يعمل بهذه العوامل لنيل الولد الصالح؛ وأول هذه العوامل:

اختيار الزوجين:

على المسلم أن يختار لأبنائه الأم المسلمة التي تعرف حق ربها، وحق زوجها، وحق ولدها، والأم التي تعرف رسالتها في الحياة، الأم التي تعرف موقعها في هذه المحن، الأم التي تغار على دينها، وعلى سنة نبيها صلى الله عليه وسلم، قال عليه أفضل الصلاة والسلام: «فاظفر بذات الدين تربت يداك» (صحيح البخاري ومسلم)، فالطفل خلال مرحلة نموه، وبالتحديد في السنوات الخمس الأولى يأخذ شخصية أمه ويتطبع على طبعها، فإن كانت صالحة تطبع على الصلاح، وإن كانت غير ذلك، تطبع على ماكانت عليه.

وكما أن الطفل بحاجة إلى أم صالحة ذات دين، ترعاه وتحسن تربيته، فهو كذلك بحاجة إلى أب صالح يتعهده، ويتعهد أمه، وهنا تقع المسؤولية على أهل الزوجة ووليها، ألا يزوجوا ابنتهم لأي خاطب كان، قال صلى الله عليه وسلم: «إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه، إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفسادا عريض» (صحيح الجامع).

الدعاء وأذكار البناء والجماع:

يستحب قبل البدء بجماع الزوجة أن يبدأ الدعاء، فعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال: بسم الله اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا فقضى بينهما ولد، لم يضره الشيطان أبداً» (صحيح البخاري).

 اختيار الاسم الحسن للمولود:

فعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وبأسماء آبائكم، فأحسنوا أسماءكم» (أخرجه ابن حبان في صحيحه).

ولما كان الطفل يأخذ أخلاقه وآدابه وسلوكياته من بيته وأسرته، فقد كان الإسلام حريصا على أن يضع للبيت للمسلم آدابا وأخلاقا، يتحلى بها الكبير، ويتربى عليها الصغير. قال ابن القيم الجوزية: “إن مما يحتاج إليه الطفل أشد الاحتياج، الاعتناء بأمر خلقه، فإنه ينشأ على ما عوده المربى في صغره، من حرد وغضب ولجاج وعجلة وخفة مع هواه، وطيش وشدة وجشع، فيصعب عليه في كبره تلافي ذلك، وتصير هذه الأخلاق صفات وهيئات راسخة له، فإن لم يتحرز، منها غاية التحرز، فضحته لابد يوما ما، ولهذا تجد أكثر الناس منحرفة أخلاقهم، وذلك من قبل التربية التي نشأ عليها”؛ لأن الطفل في هذه المرحلة سهل التشكيل وسهل التأثير عليه وشديد القابلية للتعلم، وذلك نظرا لقلة خبرته، بالإضافة إلى أنه في حاجة دائمة إلى من يعيله ويرعى حاجاته العضوية والفسيولوجية.

وهذه الفترة من حياة الطفل تكون حاسمة وخطيرة في تكوين شخصيته، حيث إن ما يغرس في أثنائها من عادات واتجاهات وعواطف ومعتقدات يصعب تغييره فيما بعد، ومن ثم يبقى أثرها ملازماً للفرد في الكبر. فعلى المربي أن ينشِّئ الولد منذ نشأته على مفاهيم الدين الإسلامي، وعلى أسس من التعاليم الإسلامية حتى يرتبط بالإسلام عقيدة وعبادة، ويتصل به منهاجاً ونظاماً فلا يعرف بعد هذا التوجيه والتربية سوى الإسلام ديناً، وسوى القرآن إماماً، وسوى الرسول صلى الله عليه وسلم قائداً وقدوة. لكن هناك أخطاراً تواجه التربية السليمة الصحيحة؛ منها ما يتعلق بأخطاء تعتبر خطراً وتهديداً على المنهج العام في التربية وهي غالباً ما يقع فيها المربون؛ وأخطار داخلية موجودة في بيوت أطفالنا وفي ألعابهم وفي متناول أيديهم.

فالتربية فن لا يحسنه الكثير من الوالدين والمربين ولذلك ترى الكثير يقع في الأخطاء التربوية عندما يربون أبنائهم، وتلك الأخطاء لا نعمم بها كل الأسر وكل المربين، وهي كثيرة وتتنوع أشكالها منها: – الدعاء على الأبناء – موت القدوة الصالحة – الضرب المبرح – إظهار الخلافات العائلية أمام الأطفال – الفوضى – التناقض – ترك تربية الأطفال للخادمة – الرفقة السيئة للمربي – الإهمال وعدم المراقبة – الدلال – التفرقة أو التعصب لأحد الجنسين.

ومن الأخطار التي تعرقل عملية التربية الصحيحة للأبناء ما لا يتعلق بالمربين ولكن تلك التي تكون في متناول أيدي الأطفال، وأمام أعينهم وفي غرف ألعابهم، تلك الأخطار التي تكون في جيوبهم، أو تضغط عليها أناملهم باستمرار، تلك الأخطار التي تبث الأفكار الهدامة، وتنشر المبادئ والعقائد السيئة ومنها:

– قنوات التلفاز للأطفال: فهي تهدم الفطرة السليمة والعقيدة الصحيحة والحياء والعفة والفضيلة، وكل المبادئ الحسنة، ولا أعمم كل قنوات الطفل؛ هناك قنوات مفيدة وهناك قنوات فائدتها قليلة ولكنها لا تشكل خطراً على الطفل.

– الألعاب الالكترونية: هناك تنافس بل تناحر بين الشركات المصنعة للألعاب؛ أدى ذلك إلى ظهور جيل جديد ومخيف من الألعاب الإلكترونية يحمل أخطارا هائلة تفوق أي نوع من أنواع الوقاية التي يمكن أن تقوم بها المجتمعات؛ بل إن هناك متخصصين نفسيين في بعض هذه الشركات لدراسة كيف يمكن إضافة عناصر للعبة لتجعل ابنك يدمن عليها.

سجلت كثير من الحالات التي أدى بها الإدمان إلى الفشل أو المرض أو إلى الأزمة النفسية أو أدت إلى ارتكاب الجرائم وقد تنبه عقلاء الغرب مبكرًا إلى هذا الخطر الداهم فظهرت عشرات الألوف من الدراسات في هذا الموضوع في كل مجال، طبيا واجتماعيا وتعليميا وأمنيا.

الأجهزة الذكية وأجهزة اللمس: ليس هاجس الأطفال اللعب بها فقط، بل حتى المحادثات والإنترنت والتصفح وسماع الموسيقى ومشاهدة مقاطع الفيديو وفي الكثير من الأحيان يقعون على ما لا يجب مشاهدته، وما أكثرها هذه الأيام.

كما يجب على المربي معالجة السلوكيات الخاطئة لدى الأطفال وتقويمها وتحسينها من الحسن إلى الأحسن معتمدا على:

النقاش والحوار: من الضروري محاورة الطفل في أشياء كثيرة وظواهر عديدة فلا ينبغي أن يتقدم طفلك بالحوار وتقوم بإسكاته فإن للحوار مع طفلك ثمرات عديدة وكلها مفيدة وهي من أهم الطرق في معالجة الأخطاء.

الثواب والعقاب: العقوبة وسيلة واحدة من وسائل التربية الإسلامية المتعددة وهي تستهدف خير الأبناء وصلاحهم وتكون مشفوعة بالرحمة والشفقة ومنضبطة بضوابط مشروعة لا تنفصل عنها وهي في حالة التطبيق تأخذ شكل التدرج والبدء بالعقوبة الأخف فالأشد. والعقاب البدني ضروري في بعض الأحيان لتقويم سلوك الطفل وتنمية الشعور بالمسؤولية لديه، شرط ألا يكون تلقائياً متكرراً بحيث يصبغ علاقة الولد بأبويه أو معلميه؛ لأن التعنيف المتكرر يفقد تأثيره شيئاً فشيئاً.

كثرة الملهيات وأنواع الترفيه المختلفة: من ألعاب إلكترونية ورسوم متحركة صنعها الغرب لأطفالنا وقنوات خاصة بالأطفال هزت من المبادئ الفطرية الإسلامية لدى الطفل المسلم، فنراه يتعلق بشخصيات خيالية وهمية، ويعتقد أن السحر حلال وأن السحرة أشخاص طيبون وأن السرقة جائزة، وأن الرومانسية والصداقة شيء مباح بين البنت والولد ومباح بكل الوسائل، وأن للبشر قدرة خارقة على تغيير الطبيعة التي خلقها الخالق الذي لا يقهر، وأصبحت التقنية توجد في أشياء صغيرة في متناول أيدي الأطفال، وكل ما سبق يسبب الضرر الأخلاقي والتربوي والنفسي لدى أطفالنا.

فالواجب أن نسعى لتأسيس وتأصيل التربية الإسلامية الصحيحة لدى أطفال المسلمين حتى نرقى بهذه الأمة ويخرج لنا جيل خلقه القرآن، ومنهجه سنة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم .

* ملخص بحث “تربية الأطفال من منظور إسلامي” لــ: هند مرزوق الحمياني، وهو منشور على موقع طريق الإسلام.

 

مواضيع ذات صلة