لهذه الأسباب.. لن ينتحر المسلم الواعي

سباعية المنهج الإسلامي في مواجهة الشدائد

أحمد عبد المقصود

كم هو عجيب ما يطبع عليه المنهج الإسلامي أبناءه في مواجهة الشدائد!

وكم هو مذهل ذلك المنهج – في أدواته ووسائله، وآثاره ونتائجه – وهو يربي أتباعه على تلقي صروف البلايا، وضروب الأزمات بنفوس هادئة، وقلوب مطمئنة، وجوارح ساكنة!سمات المنهج الإسلامي في مواجهة الشدائد

إننا يمكن أن نقول في غير تحفُّظ بأن الإسلام يمنح أبناءه “شيفرة” متفردة خاصة، لا يكاد يشاركهم فيها من لم تتعرض نفسه لعمل هذا المنهج الإسلامي الفريد.

وإننا في حاجة دائمة لاستحضار هذا المنهج واستقراء ملامحه، إذ الإنسان لا يفتأ يتقلب بين الشدة والرخاء، والبلاء والعافية، ولا يكاد يمر به حين إلا وهو هدف لنوع من أنواع الابتلاءات في نفسه، أو ولده، أو ماله، أو غير ذلك.

ولكننا أحوج لهذا الاستحضار والاستقراء في هذا الوقت الذي نواجه فيه جائحة كونية، وبلاء عامًا لم يكد يسلم منه قُطر، أو تنجو منه جماعة من البشر.

وقبل الإفاضة في استحضار ملامح هذا المنهج؛ فلا ينبغي أن يعزُب عنا أن النفس الإنسانية ليست مخيّرة في الأخذ بهذا المنهج أو نبذه؛ فهو المنهج الوحيد الذي يتساوق مع فطرة هذه النفس، ويحفظها من أن تقع في شقاق أو فصام يجعلها تتداعى أمام الشدائد، وتخور قواها عند الملمات.

فهو منهج خرج من المشكاة نفسها التي هيأت فطرة هذه النفس، وعلمت سرها وعلانيتها، ما يصلحها وما يفسدها، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير}، فلا جرم ألا يكون الأخذ به، ومواجهة الشدائد على هداه رفاهية، أو أمرًا اختياريًا يُعذَر التارك له، كلا وإنما هو حتم واجب إن أراد الإنسان أن يعيش رحلته على هذه الأرض مستمتعًا بخيراتها، مسرورًا بمباهجها، بريئًا من الضيق والتبرم بما يتجدد من أحداثها.

ومن حسنات هذا المنهج أنه شامل يستوعب النفس من جميع جوانبها، فلا يترك منها جانبًا إلا وهيأ له ما يعينه على القيام بوظيفته في مواجهة الشدائد، فهو ينتظم النفس قلبًا وعقلًا ووجدانًا وسلوكًا، ويعمل على بنائها وعمارتها في تناسق مُعّجِبِ يجمع بين القوة والجمال، والصلابة والبهاء.

سباعية المنهج الإسلامي

من أبرز ملامح هذا المنهج الإسلامي الفريد ما نسوقه في هذه السُبَاعِيّة التي تُمثّل جديلة مضفورة، يعود أولها على آخرها، وتلتئم أطرافها في تناغمٍ وائتلاف.

1 – الدنيا في التصور الإسلامي:

إن فهم طبيعة التصور الإسلامي للدنيا يمثل قاعدة يمكن  في ضوئها أن نفهم ملامح المنهج الإسلامي ونتبيّن قسماته، فالدنيا في التصور الإسلامي ليست غاية يسعى إليها المسلم، أو رحلة نهائية للإنسان على هذا الكوكب، وإنما هي مرحلة من مراحل الطريق، ومقدمة لحياة أخرى أطول، ومقام أخلد، ولهذا كرّر القرآن وأعاد في تصوير طبيعة هذه الدنيا، والحيز الذي ما ينبغي أن تشغله في حس المسلم وضميره.

قال تعالى: { وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}
وقال تعالى: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْر وَأَبْقَى} وإن كلمة ( زهرة ) تشيع في النفس ظلال الجمال والحسن، ولكنها تحمل مع ذلك ظلال سرعة الفناء، فالزهرة سريعة الذبول لا عمر لها.

ويقول تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} (الحديد: 20).

وعن عبدالله قال: نام رسول الله ﷺ على حصير فقام وقد أثّر في جنبه، فقلت: يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاء، فقال: ( مالي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها) رواه الترمذي وابن ماجه.

ووضوح هذا التصور من شأنه أن يبعث في النفس الرضا، ويملأ القلب بالتسليم، فلا يأسى لما فقده من الدنيا، ما لم يكن هذا الفقد علي حساب دينه ومبادئه.

إذا أبقت الدنيا على المرء دينه *** فما فاته منها فليس بضائر

 2-الإيمان بالقدر:

يشكل الإيمان بالقدر حلوه ومره، خيره وشره، صمامًا عاصمًا، وركيزة رئيسة تحول دون أن تتبدد نفس المؤمن أمام عواصف المحن وصنوف الأرزاء، وتزيد المؤمن اطمئنانًا بأن كل ما يجري عليه في خاصة نفسه، أو في الكون من حوله، إنما هو تحت السيطرة الإلهية، وتحت سمع الله وبصره، وبعلمه وإرادته.

قال تعالى {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها} (الحديد 22 )،

قال ابن كثير: “( ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ( قال ابن عباس: بأمر الله، يعني: عن قدره ومشيئته .
) ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء عليم ( أي: ومَنْ أصابته مصيبة فعلم أنها بقضاء الله وقدره، فصبر واحتسب، واستسلم لقضاء الله، هدى الله قلبه، وعوّضه عما فاته من الدنيا هدى في قلبه، ويقينا صادقا، وقد يخلف عليه ما كان أخذ منه، أو خيرا منه”.

3 – حسن الظن بالله:

أما ثالث ملامح المنهج الإسلامي فهو تلك الثقة التي يتحلّى بها المسلم تجاه ربه، وقلبه الذي يفيض بحسن الظن، وشعوره أنه مخلوق مُكرّم محبوب، من رب غفور رحيم، عليم حكيم، لا يريد الشر بعبده، ولا يسوق له الابتلاء ليستأصله ويكسره.

وحسن ظن المؤمن بربه مبني على علمه بإحسان الله ورحمته، وحلمه ورأفته، وقد يغيب عنه في بعض الأحوال وجوه الخير والمنفعة في الشدة، ولكنه لا يراها شرًا محضًا خلوًا من الفائدة والمنافع، كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا استفتَح الصَّلاةَ كبَّر ثمَّ يقولُ: “وجَّهْتُ وجهيَ للَّذي فطَر السَّمواتِ والأرضَ حنيفًا وما أنا مِن المُشرِكينَ”، وفيه قوله: “والخيرُ كلُّه في يدَيْكَ والشَّرُّ ليس إليكَ” أخرجه ابن حبّان في صحيحه، فالمسلم ينزّه ربه عن نسبة الشر إليه، يقول الله تعالى في الحديث القدسي: “أنا عند ظن عبدي بي؛ إنّ ظن بي خيراً فله، وإن ظن شراً فله” رواه أحمد، وقال تعالى في الحديث القدسي: ” أنا عند ظن عبدي بي؛ فليظن بي ما شاء” فحسن الظن بالله يجعل المؤمن يأوي إلى ظلال الرجاء الوارفة، متمثلًا قول القائل:

وإني لأدعو الله حتى كأنني *** أرى بجميل الظن ما الله صانع

وقد اشتد نكير القرآن على أولئك الذين ساءت ظنونهم بالله، ولم يعرفوا له سابقة الإحسان عليهم، فقال تعالى:

{يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ} آل عمران 154، فاستحقوا غضب الله، وباءوا بسخطه، قال تعالى: {الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ}.

4 – درب الأنبياء والمصلحين:

والقرآن يعرض في قريبٍ من ثلث آياته قصص الأنبياء والمرسلين مع أقوامهم، فإذا هم أعظم الناس بلاءً، وأكثرهم تعرضًا للابتلاءات والفتن، فعَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: «الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ، يُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ».

فإبراهيم ابتلي في ولده ويؤمر بذبحه، ولوط ابتلي بكفر زوجته، ويوسف ابتلي بحسد إخوته ويسجن لعفته، وأيوب ابتلي في بدنه، وداوود وسليمان وهود وصالح وشعيب، أما خاتمهم محمد ﷺ فقد كانت حياته سلسلة موصولة الحلقات من الابتلاء منذ كان صغيرًا يتجرع مرارة اليتم بفقدان أبيه وأمه وجده، يذوق غُصص الثكل في كبره بفقدان أبنائه وبناته، كما قضى حياته بعد البعثة ثم الهجرة في حروب لا تهدأ، ومكائد لا تضع أوزارها؛ فقد فيها أقرب صحابته ومحبيه، وامتد هذا البلاء إلى جسده؛ فكان يشتد عليه المرض ويضاعَفُ عليه الألم.

عن عبد الله بن مسعود قال: دخلت على رسول ﷺ الله وهو يوعك، فمسسته بيدي، فقلت: يا رسول الله إنك لتوعك وعكًا شديدًا، فقال رسول الله ﷺ: أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم، قال، فقلت: ذلك أن لك أجرين، فقال رسول الله ﷺ: أجل.

وإن المؤمن ليجد في هذه الأخبار سلوى وعزاء تزيل عنه الوحشة، وتهبه من الأنس ما يعينه على وعثاء الطريق، كيف لا، وهو يستشعر أن سفره مع قافلة طويلة يقودها الأنبياء والمصلحين، وينعم فيها بصحبة الصالحين والمصلحين.

5 – فجر الأجر:

والمسلم يرى في الابتلاء فرصة لتمحيص إيمانه، ومعرجًا من معارج العبودية والقرب من الله، وتربية للعبد ترفع درجته، وتأخذ بناصيته إلى مراقي الاصطفاء، فالله تعالى ـ كما يقول ابن القيم رحمه الله: “يربّي عبدَه على السراء والضراء، والنعمة والبلاء؛ فيستخرج منه عبوديته في جميع الأحوال، فإن العبد على الحقيقة مَن قام بعبودية الله على اختلاف الأحوال، وأما عَبْدُ السَّراء والعافية؛ الذي يعبد الله على حرفٍ، فإن أصابه خيرٌ اطمأن به، وإن أصابته فتنةٌ انقلب على وجهه؛ فليس من عبيده الذين اختارهم لعبوديته، فلا ريبَ أن الإيمان الذي يَثبت على محل الابتلاء والعافية هو الإيمانُ النافع وقت الحاجة، وأما إيمانُ العافية فلا يكاد يصحب العبدَ ويبلّغه منازل المؤمنين، وإنما يصحبه إيمانٌ يثبت على البلاءِ والعافية” (طريق الهجرتين لابن القيم: 277).

كما ينتظر في رحم كل شدة أجرًا، ووراء كل اختبار ثواب، فقد يأتي العطاء في صورة الحرمان، والمنح في هيئة المنع، ففي وخزة الشوكة فما فوقها أجر، قال رسول الله ﷺ: ” مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصِيبُهُ أَذًى، شوْكَةٌ فَمَا فوْقَهَا إلاَّ كَفَّر اللَّه بهَا سَيِّئَاتِهِ، وَحطَّتْ عنْهُ ذُنُوبُهُ كَمَا تَحُطُّ الشَّجرةُ وَرقَهَا” متفق عليه.

وفي فقد الولد ثم الصبر عليه وعد من الله ببيت في الجنة، فقد روى أبو موسى أن رسول الله ﷺ قال: “إذا مات ولد العبد، قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: فماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك، واسترجع، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتًا في الجنة، وسموه: بيت الحمد” رواه الترمذي، وقال: حديث حسن

وفي إراقة الدم دفاعًا عن المال والدين والعرض عوض من الله بأجر الشهداء، فعَنْ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: “مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ، وَمَنْ قُتِلَ دُونَ أَهْلِهِ، أَوْ دُونَ دَمِهِ، أَوْ دُونَ دِينِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ” رواه أبوداود (4772) والترمذي (1421) وقال: هذا حديث حسن صحيح، وصححه الألباني

وفي الصبر على الأمراض المزمنة، والأوجاع المؤلمة، والميتة القاسية ما يرفع صاحبها على مصاف الشهداء، فقد قال رسول الله صلى الله ﷺ: « الشهداء سبعة سوى القتل: المطعون شهيد، والغرق شهيد، وصاحب ذات الجنب شهيد، والمبطون شهيد، والحرق شهيد، والذي يموت تحت الهدم شهيد، والمرأة تموت بجمع شهيد » رواه مالك في الموطأ – واللفظ له – وأبي داود، والنسائي، وأحمد.

وعن عائشة أم المؤمنين قالت: سألتُ رسولَ اللهِ ﷺ عن الطاعونِ، فأخبَرَني رسولُ اللهِ ﷺ: “أنَّه كان عَذابًا يَبعَثُه اللهُ على مَن يَشاءُ، فجعَلَه رَحمةً للمُؤمِنينَ، فليس مِن رَجُلٍ يَقَعَ الطاعونُ فيَمكُثُ في بَيتِه صابِرًا مُحتَسِبًا يَعلَمُ أنَّه لا يُصيبُه إلَّا ما كَتَبَ اللهُ له إلَّا كان له مِثلُ أجْرِ الشَّهيدِ”

6 – منابع الرجاء:

وقلب المسلم دائم التعلق بأسباب الرجاء، ريان من منابع الأمل، يرى اليأس خطيئة، والقنوط من روح الله وفرجه كبيرة تناقض أساس الإيمان، قال تعالى: {وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ} (الحجر:56)، وقال تعالى: {إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}.

وإن الحديث عن الأمل ليس نوعًا من الأحلام اللذيذة والأكاذيب النبيلة التي تخدّر المبتلى، أو تسلبه الطاقة على العمل ومغالبة الأحداث، وإنما عاصمٌ للنفس من التشظي والانهيار أمام طَرَقات الابتلاء، وتفتح للمرء كُوّة يستشرف منها على المستقبل، ويستنشق منها رَوْحَ الفرج وأريجَ اليُسر.

وقد نطقت السيرة بأصالة ذلك الملمح في المنهج الإسلامي عبر مواقف كثيرة، لا سيما عندما يبلغ الضيق بالنفوس مبلغه، ويعزُّ عليها أن ترى شعاعًا في آخر النفق الطويل الممتد أمامها.

فعن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: “بينما أنا عند رسول الله ﷺ إذ أتاه رجل، فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل، فقال: يا عدي! هل رأيتَ الحِيرَةَ؟ – بلد ملوك العرب الذين تحت حكم آل فارس-؟ قلتُ: لم أرها، وقد أنبئت عنها، فقال: إن طالت بك حياة لترين الظعينة (المرأة) ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله، قلتُ في نفسي: فأين دعّار طيئ – قطاع الطريق – الذين سعروا في البلاد؟! ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى، قلتُ: كسرى بن هرمز؟! قال: كسرى بن هرمز!!، ولئن طالت بك حياة، لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضة، يطلب من يقبله فلا يجد أحدًا يقبله منه”.

7 – واحة الصلاة:

وفي رحاب الصلاة الأفيح يجد المسلم ملاذًا يأوي إليه، وواحة يستظل بها في هجير الخطوب، فأول ما يفزع إليه إذا حزبه أمر الصلاة، يلتمس فيها بلسمًا لجراحه، ويجد في ركوعها وسجودها ودعائها ما يحفظ نفسه من الانسياق وراء الوساوس والخَطَرات، ويجد في أذكارها ما يمسك لسانه عن التسخُّط بالمقدور، فيصرفه إلى التسبيح والاستغفار، والتحميد والاسترجاع، قال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ}، وقد أرشد الله نبيه بالصلاة كي تسكن آلام نفسه التي يجدها من صدود قومه وإعراضهم، قال تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ *  فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ}
وقد كان رسول الله ﷺ أعلم الناس بقيمة هذا الدواء الناجع، والمسكن المجرب في تخفيف الآلام ” فكان – كما ورد في الخبر- إذا حزبه أمرٌ، فَزِع إلى الصلاة”، وإنك كلمة (فزع) ليشي جرسها باللهفة والإقبال.

وهذه السُّباعية التي تتوافر في المنهج الإسلامي كفيلة بأن تداوي نفس المؤمن من العقد النفسية، وترمِّم ما تصدّع من كيانه، وتمنحه من الصبر والجَلَد ما يجعله يخرج من كل شدة أصلب عودًا، وأنقى قلبًا، وأمضى عزمًا على استكمال الرحلة حتى يلقى ربه فيسمع نداءه في حب وتحنان: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي}.

* نقلا عن “الوعي الإسلامي” (بتصرف يسير).

 

1 Star2 Stars3 Stars4 Stars5 Stars (No Ratings Yet)
Loading...

اترك تعليقا